عبد الكريم الخطيب
432
التفسير القرآنى للقرآن
هو الذي يملك من أنفسنا ما لا نملك ، فإذا كان اللّه قد شاء لنا أن نعود القهقرى إليكم ، ونردّ على أعقابنا معكم ، فنحن مستسلمون لأمر اللّه ، راضون بحكمه ، أما نحن في ذات أنفسنا ، فعلى عزم صادق ألّا نعود في ملتكم أبدا ، إلا أن ينحلّ هذا العزم بيد اللّه ، لأمر أراده اللّه ، وقضاء قضى به . . « وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً » . . فهو - سبحانه - وحده الذي يعلم مصائر الأمور ، ولا يدرى أحد قدره المقدور له ، ولا مصيره الذي هو صائر إليه ، فذلك علمه عند علام الغيوب . . أما نحن فمطالبون بأن نستقيم على الحق ، وأن نفوّض الأمر لمالك الأمر . . « عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ » . . والفتح هو الحكم ، وتلك قضية بين شعيب وقومه ، هو يدعوهم إلى الهدى ، وهم يدعونه إلى الضلال ، وهو يلقاهم بالحسنى ، وهم يتهدّدونه بالبغي والعدوان ، واللّه سبحانه وتعالى هو الذي يحكم بين الفريقين ، ويدين من هو أهل للإدانة ، ويأخذه بما يستحق من عقاب . وقول شعيب : « رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ » - مع أن فتح اللّه أو حكمه لا يكون إلا بالحق - هو تقرير للواقع ، وإشعار للخصوم بأنهم لا يؤخذون بغير الحق ، وأنهم وشعيب على سواء بين يدي من يفصل بينه وبينهم فيما هم مختلفون فيه . ومع هذا الموقف العادل الذي يقفه شعيب من قومه ، وفي موقفه معهم في ساحة القضاء الذي يقول كلمة الحق بينه وبينهم - فإنهم لم يقبلوا هذا منه ، ولم ينتظروا ما ينجلى عنه هذا الموقف ، بل جعلوا إلى أنفسهم أمر القضاء في هذا الخلاف ، وأعطوا لأنفسهم كلمة الفصل فيه ، وأنهم هم وحدهم أصحاب الحق . . فأدانوا شعيبا ، وحكموا عليه بالخروج من القرية هو ومن آمن معه ، واستعجلوا إنفاذ هذا الحكم فيه وفيهم . .